ابن كثير
126
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
- فمن وفي منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه عليه فهو إلى اللّه إن شاء اللّه غفر له وإن شاء عذبه » « 1 » أخرجاه في الصحيحين . وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد اللّه اليزني ، عن أبي عبد اللّه عبد الرّحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك باللّه شيئا ولا نسرق ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، وقال « فإن وفيتم فلكم الجنة » رواه ابن أبي حاتم . وقد روى ابن جرير « 2 » من طريق العوفي عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر عمر بن الخطاب فقال : « قل لهن إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا » وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت : إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني ، وإنما تنكرت فرقا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة : كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال ؟ . ففطن إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال لعمر « قل لهن ولا يسرقن » قالت هند : واللّه إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا ؟ قال أبو سفيان : ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفها فدعاها فأخذت بيده فعاذت به فقال : « أنت هند ؟ » قالت : عفا اللّه عما سلف ، فصرف عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ولا يزنين » فقالت : يا رسول اللّه ، وهل تزني امرأة حرة ؟ قال « لا واللّه ما تزني الحرة - قال - ولا يقتلن أولادهن » قالت هند : أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر ، قال : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ قال وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال : منعهن أن ينحن ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور ، ويدعون بالويل والثبور . وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة واللّه أعلم ، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول اللّه يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما ، وكذلك كان الأمر من جانبه عليه السّلام لهما . وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم الفتح ، بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الرجال على الصفا ، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر بقيته كما تقدم وزاد : فلما قال : ولا تقتلن أولادكن . قالت هند : ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا ، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى . رواه ابن أبي حاتم . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي حدثتني
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 60 ، باب 3 ، ومسلم في الحدود حديث 41 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 74 .